يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

185

بهجة المجالس وأنس المجالس

وأما قول الشاعر : طلب الأبلق العقوق فلمّا * لم ينله أراد بيض الأنوق « 1 » فالأبلق لا يكون عقوقا أبدا ، يقال : أعقت الدابة إذا عظم بطنها للحمل ، والذكر لا يكون عقوقا ، والأنوق الرّخم لا يكاد يرى بيضه ولا يوجد لأنه في صدوع الصخر من الجبال الشامخة ، ولا منفعة فيه ، ولا يصاب إلا بمشقة ونيل مكروه . وأمّا الزّجر بالغراب عندهم فلاشتقاق اسمه من الغربة والاغتراب ، ومنه أخذ الغريب . وقيل له : حاتم بن بحير « 2 » لهذا ، ويشتقون من الصرد « 3 » : التّصريد والصّرد ، والصّرد هو البرد ، قال الشاعر : دعا صرد يوما على غصن شوحط * وصاح بذات البين فيها غرابها فقلت : أتصريد وشحط وغربة * فهذا لعمري نأيها واغترابها « 4 » وقال آخر : تغنّى الطائران ببين سلمى * على غصنين من غرب وبان فكان البين أن بانت سليمى * وبالغرب اغتراب غير دان « 5 »

--> ( 1 ) الأبلق هو الجواد ، والبيت يضرب مثلا في طلب المستحيل فإذا لم ينله الطالب بحث عما يقاربه في الاستحالة ، وانظر البيت وما بعده في الكامل 1 / 401 ، الحيوان 3 / 522 . ( 2 ) حاتم هو الغراب الأسود ، وبحير شديد سواد الوجه . ( 3 ) الصرد : طائر ضخم الرأس والمنقار ، يصطاد العصافير . ( 4 ) الشوحط : شجر تتخذ منه القسي ، وانظر البيتين في الحيوان 3 / 437 ، زهر الآداب 2 / 168 . ( 5 ) انظر البيتين في الكامل 1 / 85 مع اختلاف يسير في الرواية ، وقد وردا كما هنا منسوبين لجحدر العكلي في العقد الفريد 5 / 414 ، ومنسوبين لسوار بن المضرب في زهر الآداب 2 / 169 ، ونسبا لكثير عزة في عيون الأخبار 1 / 147 ولم أعثر عليهما في ديوانه .